المقالات

العزلة كنزك الثمين


بقلم / يزيد بن مسلم الجهني
اجتماعي

عندما ندرس التّاريخ نجد توافقاً في سلوك العظام حيث أنّهم يتشاركون في فعل العزلة أوّلهم رسولنا محمّد صلّ الله عليه وسلّم حيث كان يخلوا بذاته في غار حراء أياماً فرديّة مُتفكّراً بمخلوقات الله وهذا الكون العظيم، وهنا يجب الإشارة أنّ ربّنا سبحانه وتعالى عندما يريد أمراً يهيّئ له الأسباب؛ حيث حُبَبَ للرسول صلّ الله عليه وسلّم أن يصعد لغار حراء إلى أن أوحى الله له وأتاه الأمر الإلهيّ الذي غيّر مجرى التّاريخ في هذه المعمورة.

لماذا نجح آينشتاين؟ ولماذا برز ابن تيمية؟ ولماذا صنع ابن رشد الأثر الرّاسخ في حياته؟ القاسم المشترك بين كلّ ذلك أنّه كان لكلّ منهم أوقات اعتزال بالذّات منغمسين في أفكارهم واكتشافاتهم مبتعدين عن توافه الحياة، يقرؤون ويكتبون، فمتى كان لك نصيب من فعل هذا تأكّد أنّه سوف تكون لك بصمتك في الحياة.

والعزلة هي البقاء في مكان ما بمفردك بعيداً عن كلّ مشاغل الحياة، هادئ العقل ساكن الرّوح متّصلاً بالطّبيعة، منعزلاً بذاتك منغمساً في التّفكير والتّأمّل والخوض في غمار الأفكار ومخاطبة نفسك والوصول لحلول تلك الأمور التي طالما بتّ هارباً منها، كنزك في ذاتك والعزلة السبيل لاكتشاف ذلك.

إعادة بوصلة لحياتك جرّب مرّة أن تبقى لوحدك، انغمس في فعل اللّاشيء سوف تجد أن عقلك يُستثار طواعيّة لفعل أمر جديد لإنجاز أمر مفيد وتتقافز في عقلك فكرة لاكتشاف لو طبقته على واقعك لأصبح أفضل، تستطيع أن تعتزل العالم وأنت في منزلك.

ضع هاتفك جانباً واقرأ كتاب مفيد لمدّة ساعة أو نصف ساعة، ستجد أنّ حالتك العقليّة أصبحت أفضل وتخلّصتَ من ذلك التّوتر أرحت نفسك هوينه من تيّار الحياة المُتسارع.

انعزال المرء بذاته يصل به إلى أن يتجرّع لمحات العبقريّة، تُضاء له الهامات فكريّة أمور عظام في شخصيّته طالما ظلّ منشغلاً عنها، افعل أمراً تُحبّه، اقرأ، اكتب، ارسم، مارس هذا الأمر يومياً، انغمس به بكلّ حواسّك في لحظاتك تلك أنت تحقّق أمراً مُهمّاً، ألا وهو عيش الآن عيش اللّحظة الحاليّة تمسك بزئبقيتها تتلذّذ بجمالها، متخلّصاً من قلقك وشتات عقلك، هادئ متأمّلاً شروق الشّمس تغريد العصافير زُرقة السّماء.

يكتشف الإنسان بعدما يعيش مدّة طويلة إلى أمرٍ مهمٍّ ألا وهو أنّ جمال الحياة في تأمّل تفاصيلها الصّغيرة ضحكات إخوانك، حديثك مع والدتك، ذهابك مع أبيك، هذه هي أجمل لحظات العمر احرص على أن يكون لك نصيب كبير منها.

المعتزل ليس وحيداً وإنما هو شخص مستمتع بعزلته مرافقاً ذاته وسامياً بها عن تفاهات الحياة، يغوص المرء في ذاته مدةً معينة إلى أن يكتشف فيها أمراً عظيماً تراقص عقله أفكار زئبقيّة ملهمة، قيّدها بالكتابة لكي تمسك بها، الأفكار طاقة تنتقل في مدارها الواسع.

من هو الشّجاع الذي يشدّ لجامها ويمتطي جوادها ويطبّقها؟ السّؤال موجّه لك كم فكرة عظيمة مرّت على بالك وظللت حيران في فعلها أو الوقوف على ناصية اللّافعل، أما حان الوقت لأن تتشجّع وتطبّق أحد تلك الأفكار العظيمة؟

وأنا هُنا أقتبس، أقوال الأدباء عن العزلة:

"العزلة ليست سيئة فهي وطن للأرواح المُرهقة، هي نوع من أنواع السلام أحياناً، لا انكسار لا انتظار ولا خذلان، راحة أولاً وأخيراً"-غازي القصيبي.

"الاشياء الثمينة والعظيمة دائماً تكون لوحدها" -جون شتاينبك.

"العزلة زاوية صغيرة يقف فيها المرء أمام عقله"-دستويفسكي.

 

 

التعليقات


أضف تعليقك هنا