حكيم الزمان

(نعم للمديح، لا للتجريح)


(نعم للمديح، لا للتجريح)
إعداد / الأستاذ صديق بن صالح فارسي
اجتماعي

التربية: هي البناء لكيان الإنسان في هذه الحياة، فكلما كانت القواعد قوية، والأعمدة راسخة، والجدار متين، كلما عاش البناء ساتراً لأهله، نافعاً لأصحابه، آمناً من المخاوف والمهالك، وكلما تضاءلت قوته، كلما تهاوت أجزاءه مع مرور الأيام وانصرام الأعوام، وليس شرطاً أن يكون المربي على قدر عالي من المعرفة، ويحمل من الشهادات والأوسمة، بل أن الشرط الأكثر أهمية في المربي، هو أن يكون ذو حس مرهف، وإحساس متقن، وحساسية عالية بالشعور والأحاسيس، لأن ذلك يجعله قادر بحق على أن يقول الكلمة المناسبة في المكان المناسب مع الشخص المناسب، في العمر المناسب، وبالطريقة المناسبة، لأنه في كل الأحوال يكون متفاعلاً إيجابياً مع شعور وإحساس الناس الذين يسعى لتربيتهم وترسيخ المفاهيم السليمة في نفوسهم، والقيم الراقية في قلوبهم.

والأهم من ذلك، هو عدم هدم الكيان الذي بين أيديهم، وعدم تحطيم النفوس التي يتعاملون معها، وعدم تكسير القلوب التي يحرصون عليها، لأن عملية المحافظة على البنيان أهم من عملية البناء ذاتها، فما فائدة أن نبني بيد، ونهدم بالأخرى، وما فائدة أن نبني كيان، ونهدم إنسان في داخل هذا الكيان؛ لذلك كان من الأهمية بمكان، أن يكون حبل الاستشعار بيننا وبين من نتعامل معهم، وبالأخص الذين نحرص على تربيتهم، أو الذين تجمعنا معهم علاقة مصالح وأعمال مشتركة، أو أولئك الذين ينظرون إلينا "بالعين المليانة" ، يعني الذين يحترموننا ويقتدون بنا، ويترسمون خطانا، ويتأثروا بينما يصدر منا نحوهم تأثيراً مباشرًا، كالأبناء والتلاميذ والتابعين لنا، والمتدربين ومن على شاكلتهم، لأنهم أولاً وأخيراً أمانة في أعناقنا، ثم أنهم سيتخلقون بأخلاقنا، ثم ينقلونها إلى ما هم بعدهم من أبناء وتابعين لهم مستقبلاً إذا ما أصبحوا في موقع المسؤولية، وإذا ما كان هناك من يقتدي بهم، فإما أن نكسب أجر الجميع، وإلا قد يكون هناك من الأوزار التي قد تلحق بمن يتبعونهم بعلم أو حتى بغير علم، نسأل الله العافية والسلامة، (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ).

الذي نريد أن نقوله هنا: هو أن عامل المديح والتشجيع قد يكون الأكثر جدوى وتأثير في شحذ الهمم وبناء الكيانات، كما أن عامل التجريح والتوبيخ بلا شك أنه هو الأكثر هدماً وتحطيماً للكيانات، فلو وضع كل إنسان هذه القاعدة نصب عينيه، وعمل من خلالها على التعامل مع الناس الذين من حوله، لكان لذلك العمل أفضل الأثر في بناء الكيانات وتكامل الشخصيات، فهناك من المربين والوالدين من يستطيع أن يجعل من السلبيات إيجابيات، ومن الإخفاقات نجاحات، ومن الأخطاء فرصة للتعلم والتدريب.

وهناك من قد جعل من النقد اللاذع، والاستهزاء بالآخرين واستنقاصهم عادة وسلوكاً يمارسه بدون وعي منه ولا إدراك لحقيقة تأثير كلامه وأفعاله في نفسيات الآخرين، سواء كان يقصد أو لا يقصد، وسواء كان مازحاً أو جاداً، وسواء كان مع الشخص المناسب والمكان المناسب أم غير ذلك، ومثل هذا يجب أن يراجع نفسه، ويملك زمام أمره، وليرفع من قدرته على الإحساس بشعور الآخرين، وبالتالي التفاعل معها بما يحقق البناء للكيان، أو على الأقل عدم الهدم الذي قد يُفسد ما يجمعه في سنوات طويلة، بكلمة قصيرة، وقد يدمر بيده اليسرى ما بناه باليمنى، والسبب كلمة أو نظرة أو حركة جسدية أو ردة فعل غير مناسبة، لا تنسى أن العلاقات بينك وبينهم هدم وبناء:

 فإما أن تبني ولا تهدم، فتكن لهم راعياً.

 وإما أن تهدم أقل مما تبني، فتكن لهم راعباً.

وإما أن تهدم بقدر ما تبني، فتكن للشرور داعياً.

وإما أن تهدم أكثر مما تبني، فتكن للفناء ناعياً.

وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، وتأتي على قدر الكرام المكارم.

 

 

‏‫

 

 

التعليقات


أضف تعليقك هنا