حكيم الزمان

متى وكيف نترك الحبل على الغارب؟


متى وكيف نترك الحبل على الغارب؟
إعداد / الأستاذ صديق بن صالح فارسي
اجتماعي

يقول المثل: "تركوا له الحبل على الغارب"، ويُضرب هذا المثل عند منح الحرية الكاملة، من دون قيد أو شرط، والغارب هو أعلى مقدم السّنام في البعير، وأصل المثل: أنه إذا أُهمل البعير طُرح حبله على سنامه، وتُرك يذهب حيث شاء، وهذه هي سنة الحياة، فلكل كائن حي فترة يقضيها في أحضان ذويه، ثم يُرمى له بالحبل على الغارب، ليستقل بذاته، ثم ليذهب كيف يشاء، وليعمل كما يشاء، إن خير فخير، وإن عمل غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، ولكن الشيء المثير هو أن الشاب أو الشابة من أبناءنا وبناتنا حفظهم الله تعالى، في بعض الأحيان هناك منهم من يستعجل الوصول لهذه المرحلة، وذلك بمجرد "ما يشم ريحة باطه"، على رأي المثل، ظناً منهم أن كمال الرجولة أو الأنوثة لا تتحقق إلا بأن يُترك لهم الحبل على الغارب، وتجد في المقابل هناك الكثير من المخاوف والشكوك لدى الوالدين أو المربين من الاستعجال في ترك الحبل على الغارب لأبناءهم، وقد يكون معهم الحق في الكثير من الأحيان، باعتبار أن خطاطيف الانحرافات تتربص بالشباب على الكثير من الطرق، وبمختلف الأساليب وأنواع المغريات والمصائد، أما المعتدلون من الوالدين والرعاة فإنهم لا يتخلون عن الحبل دفعة واحدة، ولكن يمددون في مسافة الحبل لتكون شيئاً فشيء أطول فأطول، فكلما تقدم العمر ونمت القدرات والتجارب، وكلما استطاع الشباب من اشراكهم في حياتهم الخاصة، وفتح المجال لهم لكي يتعرفوا على أصدقاءهم وأماكن تواجدهم وشيء من النقاشات التي تدور بينهم وبين أصدقاءهم، فإن ذلك بدوره سوف يزيل المخاوف والشكوك ويجعل الحبل يتمدد بطريقة طبيعية وسليمة وآمنة.

 على أي حال: هناك أمرين أحب أن ألقي الضوء عليهما:

أولاً. في رأيي أن تمدد الحبل يختلف حسب ظروف وترابط الأسر، ودرجتها في الرقي والسلم الحضاري، فكلما ارتقت الأسرة وتنامت ثقافتها، كلما كانت أكثر ترابطاً واهتماماً بأفرادها، يعني لا تكاد تجد أن هناك حبل على الغارب لأي فرد من أفرادها، ولو مهما بلغ من العمر، أو مهما تباعدت بينهم المسافات، فهم أمام بعضهم البعض كالأطفال، يهتمون ببعضهم البعض، ويحرصون على مصالحهم، ويخافون على غيرهم، كخيفتهم على أنفسهم، وذلك بطبيعة الحال لا يعني التدخل في شؤون الآخرين أو اقتحام عالمهم أو فرض الرأي عليهم، إنما في آطار التعاون على البر والتقوى، وفي إطار الاحترام للرأي والرأي الآخر، والتناصح فيما بينهم، والاستشارات الأسرية في أمورهم الخاصة والعامة، (ما خابَ من استشارَ وما ندمَمن استخارَ)، والعكس صحيح في الأسر المتفككة، فكلما تفككت الأسرة وأنهارت في مستواها الثقافي والأدبي، كلما استعجلت في ترك الحبل على الغارب في أبناءها، فيتبع ذلك ما يتبعه من مشاكل لا تكاد تُعد ولا تُحصى من الإنفلات و الضياع، لأن قلة المعرفة والخبرة لدى الشباب، تجعلهم يعتقدون بأنما لديهم من معلومات بسيطة وسطحية كافية لأن تجعلهم محصنين ضد التيارات الهدامة، والمصائد القذرة، والغُرف المظلمة، على مختلف درجاتها ومن مختلف مصادرها، نسأل الله تعالى لهم السلامة والعافية.

ثانياً. أنصح الشباب الذين يشتكون من عدم إعطاءهم الفرصة من قِبل والديهم، أو بالأصح عدم إعطاءهم الثقة الكاملة بهم، لكي ينطلقوا في السهرات والاستراحات والتجمعات الصحوبية، واللقاءات الشللية، بإعتبار أنهم أصبحوا كبار، ويعرفون مصلحة أنفسهم، وبذلك يتضايقون من الرقابة العائلية عليهم، ويظنون أن في ذلك تقييداً لحرياتهم، وتنغيصاً لحياتهم، وقد يتسبب ذلك الوضع في الكثير من الخلافات الأسرية، أقول لهم: عليكم أولاً. تفهم موقف والديكم وأسركم وتقدير خوفهم عليكم، لأن هناك فرق بين أن يكونوا ضدكم وضد رغباتكم وبين أن يكونوا خائفين عليكم وحريصين على ما يحقق لكم مصالحكم، وإن أخطأوا في الأسلوب في بعض الأحيان، نظراً لقلة خبرتهم وقلة صبرهم، ولكنهم معذورون لأن قلوبهم مشفقة عليكم، فإياكم ثم إياكم أن تنظروا إليهم بأنهم أعداء لمصالحكم ولما يحقق سعادتكم، بل عليكم أن تترفقوا بقلوبهم المشفقة عليكم، وأن تتفهموا طبيعة مايفكرون به، وأن تحاولوا دائماً طمأنتهم أنكم في المكان الصحيح ومع الشخص الصحيح وفي الوقت الصحيح، وعلى رأي المثل الشعبي، "إذا كبرإبنك خاويه"، فعليكم أن تكونوا منفتحين مع والديكم كما أنكم منفتحين مع أصدقاءكم، فذلك يزرع الثقة والطمأنينة، ويجعل الحبل يتمدد بينكم بصورة طبيعية دون أن ينقطع أبداً، كما أن عليكم أن تهيئوا أنفسكم للإمساك بالحبل مع من هم بعدكم من اخوتكم الصغار، ومع أبناءكم في المستقبل، فقريباً سيأتي اليوم الذي تكونون فيه والدين، وسوف يطلبون منكم من هم تحتكم، أن تتركوا لهم الحبل على الغارب بصورة مستعجلة، ويقولون لكم: الدنيا تغيرت، والناس تطورت، والحياة تبدلت، كما أنكم تقولونها اليوم لوالديكم، فماذا عساكم ستقولون لهم؟.

إن لم يجدونكم على منهج العوائل الممتدة ذات القيم والأصول والأعراف، العوائل التي يبقى الحبل بينهم موصول من الأجداد للآباء وإلى الأحفاد، (وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ ۚ)!

 

التعليقات

... يا ليت قوم يعلمون..)
.. اضبتم التشخيص...
كيف يكون يكون العلاج في خضم معطيات عكس ما نربوا إليه...
رحماك يا الله. في زمن كثرت فيه المداهمات الاخاذة

أضف تعليقك هنا