حكيم الزمان

(الإخبات لله تعالى)


(الإخبات لله تعالى)
إعداد / الأستاذ صديق بن صالح فارسي
اجتماعي

قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، استوقفتني هذه الآية، وعرفت منها بأن الخلود في الجنة يكون، بالإيمان، قلت الحمد لله نحن مؤمنين بفضل الله تعالى، وبالأعمال الصالحة، قلت نحن نعمل الصالحات بتوفيق الله تعالى ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، ثم توقفت عند كلمة، (وأخبتواسألت نفسي كيف يكون الإخبات؟

وشعرت بما فيها معاني عظيمة تحتاج التمعن فيها والتبصر والغوص في أعماقها، فقررت البحث والتأمل والتدبر في معاني الإخبات، عرفت من التفاسير التي اطلعت عليها أن معنى الإخبات هو الخضوع والخشوع والتواضع والاطمئنان والسكن، وأخبتوا إلى ربهم تعني خضعوا وخشعوا وتواضعوا واطمأنوا وسكنوا إليه تبارك وتعالى، ولكن السؤال الذي يدور في ذهني ويشغلني هو كيف يمكننا تحقيق الإخبات للوصول لتلك المعاني؟

لم يطل تفكيري وسمعت الإمام وهو يقرأ سورة العصر بقول الله تعالى: (وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)، بالمقارنة بين الآيتين السابقتين، فقد توافقنا  في الشرط لدخول الجنة بأنهم هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وفي ختام الآيتين ورد في الأولى الشرط وفي الثانية الطلب، في الأولى (وأخبتوا)، في الثانية (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)، فكأنما أريد في الآية الثانية تحقيق الشرط الذي في الآية الأولى، وأي وأخبتوا بتواصيهم بالحق وتواصيهم بالصبر، وكأن في التواصي بالحق والتواصي بالصبر سبباً من أسباب  الإخبات إلى الله تعالى.

فما هي صفات المخبتين؟ وكيف يكون التواصي بالحق؟ وكيف يكون التواصي بالصبر؟

عن صفات المخبتين يقول ربّنا جل في علاه: (فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ*الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَاأَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ).

وقيل: المخبتون الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا لأنفسهم.

وقيل: المخبتون المطمئنون بأمر الله عز وجل.

وجاء في تفسير آية الإخبات للشيخ السعدي ما يلي: (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَأي: بخيري الدنيا والآخرة، والمخبت: الخاضع لربه، المستسلم لأمره، المتواضع لعباده، ثم ذكر صفات المخبتين فقال: (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) أي: خوفا وتعظيما، فتركوا لذلك المحرمات، لخوفهم ووجلهم من الله وحده، (وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ)، من البأساء والضراء، وأنواع الأذى، فلا يجري منهم التسخط لشيء من ذلك، بل صبروا ابتغاء وجه ربهم، محتسبين ثوابه، مرتقبين أجره، (وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِأي: الذين جعلوها قائمة مستقيمة كاملة، بأن أدوا اللازم فيها والمستحب، وعبوديتها الظاهرة والباطنة، (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)، وهذا يشمل جميع النفقات الواجبة، كالزكاة، والكفارة، والنفقة على الزوجات والمماليك، والأقارب، والنفقات المستحبة، كالصدقات بجميع وجوهها، انتهي كلامه رحمه الله تعالى.

إذاً فعلينا أن نعقد العزم على أن نتواصى فيما بيننا بالحق ونتواصى بالصبر، فما هو التواصي؟ التواصي هو الإيعاذ للغير بما يمكنه العمل بموجبه مقروناً بالترغيب والنصح والتوجيه، بحيث يكون عملا متصلاً من زمان إلى زمان ومن شخص إلى شخص ومن جماعة إلى جماعة ومنه قولهم: أرض واصية، أي متصلة النبات، (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر)، بمعنى أوصى بعضهم بعضاً بلسان الحال ولسان المقال بإتباع الحق والتمسك به.

وفي رأيي أن التواصي بالحق يكون على ثلاثة محاور: تواصي رأسي من الآباء والأجداد والسلف إلى الحاضر ومن ثم إلى الأبناء والأحفاد، وتواصي أفقي على مختلف طبقات المجتمع المحيطة والمتعايشة في الزمان والمكان، وتواصي نفسي فيما بين الإنسان ونفسه ودواخلها يوطدها ويتعهدها بلزوم الحق والحرص عليه.

والوصايا كثيرة ومتنوعة حسب المناسبات والأهداف والمقاصد وقد ذكر في القرآن الكريم الكثير من أنواع الوصايا، وجميعاً تندرج تحت خلق "الحقفما هو الحق؟

الحق هو الأمر الثابت الذي لا يسوغ إنكاره من عقل راجح ولا تزول محاسن آثاره في الدنيا ولا في الآخرة، وهو الخير المطلق والمستمد من توحيد الله تعالى وطاعته فيما أمر وإتباع كتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم، والصبر إنما هو مما يندرج تحت الحق، ولكنه كرر في الآية الكريمة للتأكيد عليه، ولأن الثبات على الحق يحتاج إلى الصبر، لذلك كان التأكيد على أهمية التواصي بالصبر وبأنواعه الثلاثة، الصبر على الطاعات، والصبر عن المعاصي، والصبر على البلايا والمحن التي قد تصيب الإنسان بحكمة وتقدير ومشيئة الحق جل وعلا، بلغنا الله جميعاً بأن نكون من المخبتين إلى ربّهم، (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)، ذو حظ عظيم من الإيمان الراسخ بالله، واليقين الجازم بوعده، وحسن الظن بربهم تبارك وتعالى.

 

 

 

 

التعليقات


أضف تعليقك هنا