حكيم الزمان

(هو كما هو)

يوميات مجلس حكيم الزمان


(هو كما هو)
خاص عيون المدينة
إعداد / الأستاذ صديق بن صالح فارسي
اجتماعي

( هو كما هو )

قالوا عن الإنسان الهاديء المسالم: ياليت لو يتلحلح ويتفَهلَو ويصير حِرِك.

 والحرك الفهلوي قالوا: ياليته يهدأ ويُسالم، والطيب قالوا عليه ضعيف، والضعيف قالوا عليه مسكين، والمسكين قالوا عليه جبان، والجبان قالوا عليه حبوب، والحبّوب قالوا عليه مغفل، والمغفل قالوا عليه طيب، نقول لهم: كيف تريدون أن يكونوا الناس لترضوا عنهم ؟ ثم من أنت من بين هذه الصفات ؟ فَلَو قلت لي أنك من أصحاب واحدة أو إثنتين من هذه الصفات أو غيرها من الصفات، فلو كنت أنت الطيب على سبيل المثال ! فذلك يعني أنك قاصر في الحكم على الآخرين، وذلك لأن كل إنسان يتحلى بصفة ما، فإنه سوف يصدر حكمه على الآخرين من خلال تلك الصفة، فالطيب يريد الناس كلهم مسالمين، والقاسي يريدهم قاسون، والعصبي يريدهم عصبيون وهلم جرا ! وذلك لعدة أسباب منها :

 لأن نظرتك لصفة واحدة  تجعلك تنظر للناس من خلال تلك الصفة فقط وتعتبر من يتحلون بغيرها من الصفات غير مرغوب فيهم عندك.

أن تتمسك بصفة واحدة فقط يجعلك غير محبب أو مرغوب فيه من قبل من يتمتعون بالصفات الأخرى، قد يتولد لديك الشعور بالتعالي على الناس الآخرين بإعتبار أن لديك الصفة الحسنةً ولديهم الصفات السيئة الغير مستحبةً. 

 على أي حال يجب أن تتأكد أنه كما أن جسم الإنسان يحتوي على مختلف المواد والفيتامينات، بل أن جسم الإنسان يحتوي حتى على (السم القاتل ) ولكن بنِسَب محددةً ومتعادلةً يجب ألا تزيد ولا تنقص عن القدر المعقول واللازم لحياة الإنسان، فكذلك الصفات التي على الإنسان أن يتحلى بها، يجب أن تكون متنوعة ومشكلة وشاملةً لكل الصفات التي تنتشر بين الناس حتى المتناقض منها، وبالنسب اللازمة لكل موقف وكل زمان ومكان ومع كل إنسان بل حتى مع الأكوان. 

 بإختصار: كما يجب أن تكون أنت بما عليه بمختلف الصفات، فعليك أيضاً أن تتقبل الناس الذين حولك بكل الصفات والمواصفات التي خلقهم الله تعالى عليها وبها، فلا تضيع عمرك وجهدك في محاولة تبديل صفات الناس بل عليك أن تتأقلم مع كل الناس بما خلقهم الله تعالى عليها من صفات، فالإيجابي منها تتفاعل معه، والسلبي منها تتأقلم معها، والمقياس فيما يجب وما لايجب هو التقوى، والوقوف عند حدود الله تعالى وبما أمر به وشرع، سددوا وقاربوا، ولا إفراط ولا تفريط، والوسط الوسط تفلحوا.


(الحب الحقيقي هو ما كان بغير مقابل)


وليس له ثمن ولاسبب ولاهدف شخصي أو مكسب مادي، فمهما حصل من إبنك أو إبنتك أو أخوك أو أختك، أو من أبوك وأمك، بل وحتى ذوي القرابة والأرحام على وجه الخصوص، والأقرب فالأقرب، ومهما كان في قلوبكم من غيظ وفي أنفسكم من غضب أو شحناء عليهم بسبب ما قد زلت به أقدامهم في حفر الحياة وما قصروا به في حقكم، أقول مهما حصل منهم أو من أحدهم فليس ذلك مبرراً لكم في الصد عنهم إذا ما جَاؤُوكُم معتذرين ولو كانت الأعذار واهية وغير مقبولة وربما كانت أقبح من الفعل، فعليكم أن تفتحوا لهم قلوبكم وتنشرح بهم نفوسكم وترضوا منهم بالقليل وتعفوا عنهم في الكثير ولا تغلظوا عليهم في العتاب ولاتحملونهم الهم فوق همومه، لقد أوصى الله تعالى الأبناء بالوالدين وجعلهما سبباً لسعادتهم في الدنيا والآخرة وجعل رضاه تعالى عليهم من رضى والديهم وجعلهم سبباً من أسباب دخولهم الجنة، ولكنه تبارك وتعالى لم يوصي الوالدين بالأبناء، لأنه قد فطر قلوب الوالدين وجبلها على حب الأبناء والعطف عليهم، بدون سبب سوى أنهم أبناءهم، فلا يوجد سبب مادي لحب الوالدين لأبنائهم، بل أن هذه الفطرة موجودة بفضل الله تعالى حتى لدى الحيوانات بل وكل الكائنات الحيةَ، فما بالنا نسمع عن بعض الذين خالفوا فطرة الله تعالى وجعلوا حبهم لأبناءهم مشروطا وله أسباب ويسعى لهدف شخصي، فإن أعطوا منهم رضوا وإن لم يعطوا سخطوا عليهم، أو يطالبونهم بالحب مقابل تربيتهم لهم وتعبهم من أجلهم، فهم ينتظرون رد الجميل والمكآفأة لهم على ذلك الحب الذي يمنحونهم إياه، أو يعتبرونه حق مكتسب لهم كونهم الوالدين، بل ويعطون أنفسهم الحق في التسلط والسيطرة والتدخل في تفاصيل حياة أبناءهم بالطول والعرض بحجة الحب لهم وخوفهم عليهم والحرص على مصالحهم، إذ أنهم قد يظلموهم بهذا الحب الذي يغدقونه عليهم، "ومن الحب ما قتل"، أحبابي الوالدين: إعلموا أن أجركم ومكافأتكم على تربية أبناءكم إنما هي من الله تعالى وليست من الأبناء، إعلموا أن حب الأبناء فطري مطابق لسنة الله تعالى في خلقه وليس مقابل منفعة منهم، فتحبون من أحسن إليكم وتكرهون من قصر في حقكم، إعلموا أن ماقد يصيبكم من إساءة أو تقصير من أبنائكم إنما هو أحد ثلاثة أمور:

١- ربما كان تسديد لفاتورة تقصير منكم في حق والديكم أو لذنب إرتكبتموه في حياتكم أو مالاً غير مشروع أنفقتموه عليهم، والله تعالى برحمته يريد أن يكفره عنكم ويذهب عنكم الوزر في الدنيا ربما ليرحمكم من العذاب الشديد في الآخرة.

٢-  وربما كان من حب الله تعالى لكم ويريد سبحانه أن يرفعكم إلى منزلة لم تبلغها أعمالكم فجعل إمتحانكم في أبناءكم سبباً لذلك.

٣-  وقد يكون مما كتب الله عليهم، لحكمة يريدها سبحانه، ربما ليسمع دعاءكم لهم فيستجيب لكم ويهديهم الى طريق الحق ويجعل لكم الفضل في ذلك بالدعاء الصالح منكم، وهو من الأدعية المستجابة عنده تبارك وتعالى (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ).

إتقوا الله تعالى في أبنائكم العاقين قبل المحسنين، ولا تكونوا أنتم والزمن عليهم، بل كونوا عوناً لهم على الإستقامة كما كُنتُم عوناً لهم على التربية والعناية، وأرحموا ضعف العاق منهم وأفتحوا لهم أبواب الأمل بالدعاء لهم، ولا تنتصروا لأنفسكم منهم وتجعلوا بركم بهم مشروطا بمصلحتكم الخاصة، وأستودعوهم الخالق المدبر الذي يغني كلاً من سعته

 

(معيار الخيرية بين الناس )


قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي)، أي: لعياله وذوي رحمه وقيل لأزواجه وأقاربه، وذلك لدلالته على حسن الخلق، فإذا أردت أن تعرف منزلتك بين الناس من حيث الخيرية، فأنظر إلى مكانك في أهلك، فكلما كنت قريباً من أهلك رحيماً بهم يطمئنون إليك ويعتمدون عليك في قضاء حوائجهم وتصريف أمورهم وتسدي إليهم النصح وتكون سنداً لهم في نوائب الدهر وراعياً لهم ومهتم بمصالحهم، كنت الأكثر حظاً من الخيرية بين الناس في الأرض، والعكس بالعكس فَلَو كان هناك من لا يرعى لأهله شأناً ولايهتم لأمْرهم، بل قد يكون في غيابه عنهم خير من حضوره عندهم، وبعده أرحم من قربه منهم، فهذا ليس له خير على أهله وبالتالي هو ليس من خير الناس بل قد يكون من أرذلهم منزلة، وليس هذا هو كل شيء، بل إنك لتعجب من أن يتولى شخصاً فاشل في حياته الأسرية وغير موفق في إدارة شؤونه العائلية، ثم هو يتبوأ مركزاً مرموقاً في المجتمع، فقد يعين مديراً أو معلماً أو ربما عين في مركزاً علمياً معتبراً للفصل في أمور عظيمة تخص المجتمع والأمة، وهو عديم الخيرية في أهله، وتشهد على ذلك زوجته وأبناءه وأهل قرابته بل وزملاءه وجيرانه وعشيرته، ومن هنا أتمنى أن يضاف في أنظمة تعيين المدراء والقادة ومن يتولون المراكز الحساسة في المجتمع أن يكونوا ناجحين في إدارة حياتهم الأسرية ولهم تجارب أسرية وعلاقات عائلية ناجحة وموفقة ويشهد لهم بالخيرية في أهلهم، وكذلك من يتقدم بطلب الزواج والإقتران بزوجة تشاركه مسيرة حياته، فإنه يُفضل من أن يكون من أهل الخيرية لأهله، أما أولئك الفاشلون في حياتهم الأسرية والذين لايهتمون بالأمور والعلاقات الأسرية الحميمة ولا يشهد لهم بالخيرية في أهلهم فلن يكون لهم الخير لمجتمعهم أو التأثير الإيجابي في أعمالهم القيادية والإدارية في الحياة، لأن فاقد الشيء لا يُعطيه !

 

التعليقات


أضف تعليقك هنا