حكيم الزمان

(النفاق ضرر أم ضرورة)


(النفاق ضرر أم ضرورة)
إعداد / الأستاذ صديق بن صالح فارسي
اجتماعي

النفاق لم يكن معروفاً إلا بعد الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، إلى المدينة المنورة، وعندما انتشر الدين وظهر أمر الله تعالى وأعز الله جنده ونصر عبده فدخل الناس في دين الله أفواجاً، فقد كان هناك فئة من الناس لم يدخل الإيمان في قلوبهم ولكنهم أظهروا الإسلام وخالطوا المسلمين وعاشروهم وعاشوا بينهم كمسلمين في الظاهر وهم في حقيقة الأمر يبطنون الكفر والكره والعداء والحقد على جماعة المسلمين، ومنذ ذلك الحين ظهرت فئة المنافقين التي تعمل مع المسلمين ضد مصلحة الإسلام وبما يسيء للإسلام والمسلمين، وقد توعدهم الله تعالى بأشد أنواع العذاب إذ أنهم في الدرك الأسفل من النار والعياذ بالله، وقد أخبر الله تعالى عنهم رسوله عليه الصلاة والسلام، وكان يعرفهم بأسمائهم وأوصافهم، إلا أنه أخذ منهم ظواهرهم ترك أمر سرائرهم إلى الله تعالى ولم يفضح أمرهم بين المسلمين أو يقاتلهم خشية الفتنة والتفرقة والخلافات التي قد تنشأ بين المسلمين فتمزق وحدتهم وصفوفهم.

ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي على أحد منهم إذا مات أبدا ولا يستغفر لهم حيث نهاه الله تعالى بقوله: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).

وهكذا ابتليت الأمة الإسلامية بالمنافقين على مر العصور والأزمنة وقد ألحقوا بالمسلمين العار والشنار وكانوا السبب في تمزق الصفوف واختلاف الكلمة على مر العصور، فلنصبر على أذاهم ولنتقي شرورهم ونتعايش معهم كما فعل رسول الله عليه صلاة ربي وسلامه.

                                                     (المجاملات المحمودة)

هناك الكثير من المواقف والتصرفات والأقوال والأفعال التي لو قمنا بها تجاه الآخرين رغم عدم قناعتنا بها وعدم رغبتنا فيها فإنها ستكون سبباً لسعادتهم وإصلاح أحوالهم، ويتمخض عنها الكثير من نتائج الإيجابية عليهم وعلى المجتمع والأمة، في حين أنها قد لا تكلفنا الكثير مما لا نقدر عليه أو مالا طاقة لنا به، وهذا باختصار هو مفهوم المجاملات المحمودة، الذي نحن بصدد الكلام عنها.

ومن يقوم بهذا العمل غالباً هم أصحاب الإيمان بالله تعالى، لثقتهم التامة أن كل عمل صالح يقومون به إنما هو في ميزان أعمالهم وسوف يجزيهم الله به عاجلاً أم آجلاً، حتى الكلمة الطيبة أو الابتسامة في وجه من يعرفون ومن لا يعرفون، وبدون وجود مصالح مشتركة بينهم، وهناك ثلاثة أحوال للقيام بهذه المجاملات المحمودة وهي: المعاملة بالحسنى، المعاملة بالإنصاف، المعاملة بالتناصح.

١- المعاملة بالحسنى: وذلك بأن تركز على الصفة الحسنة وإن صغرت، وتغض النظر عن الصفات السلبية في الشخص الذي تتعامل معه.

٢- المعاملة بالإنصاف: وذلك بأن تعطي نظرة على الصفة الحسنة، ثم نظرة أخرى إلى السلبية، بنسب متساوية ومنصفة مع من تتعامل معهم.

٣- المعاملة بالتناصح: وذلك بأن تشكر على الصفة الحسنة وتظهرها، وتعمل على التقليل من تأثير الصفات السلبية مع وضع الحلول والأفكار للعمل على تحسينها.

ولكل من هذه الأحوال الفنيات والطرق والأساليب الصحيحة للتعامل معها حسب الأشخاص والمكان والزمان والأهمية لكل موضوع التي سنحاول تناولها بشيء من التفصيل فيما يلي:

١- المعاملة بالحسنى: نفترض أن كل واحد منا يعيش في غرفة لها أربع واجهات، على كل واجهة يوجد نافذة ومجلس خلف هذا النافذة، وكل نافذة تشرف على جهة من الجهات الأربعة، الأولى واجهة الحدائق، والثانية واجهة الحرائق، الثالثة واجهة البوائق، الرابعة. واجهة العوائق،

إذاً فكل واحد لديه نفس الظروف التي تحيط بالغرفة التي يعيش في داخلها، إلا أن كون هذا صالح وذاك فاسق، إنما هو بسبب تغليب جانب الصلاح في هذا الذي يجلس على نافذة الحدائق، فهو يرى نفسه من خلالها بوضوح وبقية النوافذ بعيدة عنه، أي أنها غير مؤثرة، وليس لها دور في حياته، بمعنى أن كل فرد منا يرى نفسه بوضوح من خلال النافذة التي يجلس بجوارها، فإذا مررت بمن ساء خلقه وقبحت معاملته، فأعلم أنه يجلس إلى النافذة الخطأ في حياته، وعليك أن تنتقل به إلى النافذة الصالحة ليكون من الصالحين، فتنقله إليها وتجعله ينظر إلى نفسه من خلال تلك النافذة وتبعده عن النوافذ السلبية، فربما كلمة عابرة من مربي فاشل لطفل بريء، مثل لو قال له يا فاشل ولو بحسن نية فإنها تقذف به إلى النافذة المظلمة وتجعله ينظر إلى نفسه كذلك، وربما كلمة خير من مربي صالح ناجح لطفل وضعته على النافذة الجميلة لتصنع منه إنسان جميل وأبعدت عنه شبح النوافذ الفاشلة وجعلتها صغيرة في نفسه وجعلته من الصالحين.

٢- المعاملة بالإنصاف: أن تعطي نظرة على الصفة الحسنة ثم نظرة أخرى إلى السلبية بنسب متساوية ومنصفة مع من تتعامل معهم، من الصعب جداً علينا عملية النظرة المنصفة والعادلة للآخرين إذ أن لكل منا ميوله ورغباته فما توافق معها أي مع ميولنا ورغباتنا نحكم عليه بالكمال والجمال ونثني عليه ونحبه ونقربه، ومن لم تتوافق ميوله ورغباته معنا نحكم عليه بالسلبية ونقف منه موقف التنافر والاستبعاد، بل ربما وقفنا منه موقف العداء والمخاصمة والإقصاء، وهنا قد يكمن الخطر في الكثير من الأحكام والتعاملات الإنسانية والفرص التي قد تضيع علينا بسبب قصر النظر واختلال  ميزان حكمنا على الآخرين بصورة منصفة وواقعية، فما قد نراه من السلبيات في شخص ما بالتأكيد هو شيء إيجابي في نظر طرف آخر من الأطراف في المجتمع.

حقيقة يجب أن تكون على يقين بها: وهو أنه لا يوجد إنسان ولا حيوان ولا نبات ولا جماد على وجه الأرض ليس له فائدةً أو حسنةً أو جانب مشرق في حياته مهما بدى لنا أنه سيّء أو مذنب أو غير مجدي، فهذه حقيقة ثابتة لا خلاف عليها، لذلك عندما تقع عينك أو تسمع أُذنك أو تريد أن تصدر حكمك على أحد من الناس ومهما بدى لك أنه قبيح فيجب عليك أن تبحث عن الإيجابيات التي له والحسنات التي يتميز بها، فإن لم تجد له حسنات فأعلم أنك غير مؤهل أو غير مناسب أن تصدر عليه الحكم من خلال ما تراه بادياً لك من سيئات أو سلبيات في حياته، فعليك أن تنزل من مكانك العالي الذي أنت فيه إلى المستوى الذي يعيشه هذا الإنسان ومن ثم تتعرف على طبيعة حياته وتبحث عن الحسنات أولاً والتي لا يخلو منها مخلوق ثم تنظر في السلبيات لتكون منصفاً في الحكم عليه، والنظرة العادلة له.

في مرحلة بداية سن الشباب، والتي يمر بها كل شاب والتي لا تخلوا من هذا ينصح وهذا يوبخ وهذا يلوم وذاك يعاتب، لأن الكل يريد منه المثالية والكمال، مما تجعل الشاب أحياناً في حيرةٍ شديدة من أمره لدرجة أنه يكاد يفقد الثقة في نفسه ويتهم نفسه بالغباء والقصور في الإدراك، في تلك المرحلة من عمري قيض الله تعالى لي رجل من كبار السن، "رحمه الله"، قدم لي نصيحة غالية لا زلت أذكرها وامتثلها في حياتي، قال: يا إبني، من يذكر لك حسناتك وإيجابياتك ثم يوجهك إلى الأخطاء التي تصدر منك فهذا فقط من تسمع له وتقبل رأيه ونصيحته، أما من يوجه لك الانتقادات دون أن يذكر لك حسناتك وإيجابياتك فهذا لا تقبل منه ولا تصدق رأيه فيك لأنه غير منصف، وهو إما متحامل عليك، أو جاهل أحمق لا يعرف الحقيقة، فإنه بإلقاء اللوم عليك سوف يوهنك ويصيبك بالإحباط بجهله فلا تسمع لرأيه فيك ولا تحكم على نفسك من خلال كلامه عنك، فالمنصف هو من يُبين لك الحسنات والسيئات معاً.

هذه النصيحة التي أنقذتني من إحباط بداية الحياة العملية التي قد تصيب أكثر الشباب وأنا أنقلها لكم نصيحة غالية علموها أبناءكم وامتثلوها في حياتكم، أما من لم يكن قادراً على معرفة حسنات الآخرين فعليه أن يتدرب على ممارسة هذه المهارة وأن يحسن الظن بالله تعالى ويعلم أن لله فيخلقه شؤون وحكمة بالغة لا يعلمها إلا هو سبحانه: (ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار).

٣- المعاملة بالتناصح: أن تشكر على الصفة الحسنة وتظهرها وتعمل على التقليل من تأثير الصفات السلبية مع وضع الحلول والأفكار للعمل على تحسينها، اجعل بينك وبين الناس الذين حولك والأقرب فالأقرب، ميزان المجاملات لمحمودة، فكلما بدت لك حسنة منهم أو فعل جيد أعجبك فضعه في الكفة اليمنى للميزان، وأعطها حقها من الثناء والإشادة وأظهر ذلك الإعجاب لمن قام بذلك العمل ولو لم تكن لك مصلحة شخصية لهذا الثناء، لأن مصلحتك مؤكدة في ميزان أعمالك الصالحة عند الله تعالى.

أما إذا بدت لك سيئة أو فعل غير جيد ولم يعجبك سلوك معين من شخص ما فضعها في الكفة اليسرى للميزان، ثم ألف نظره اليها بأسلوب لبق وبدون تجريح لشعوره وأبحث معه كيف يمكن تحويلها من الكفة اليسرى للميزان إلى الكفة اليمنى لتتحول السيئة إلى حسنة، ويزداد وزنه في المجتمع وأمام الناس بقدر ما ترجح عنده الكفة اليمنى للميزان.

اجعل من أهدافك في الحياة: هو تعديل موازين الناس والعمل على مساعدتهم في تحويل افعالهم من الكفة اليسرى إلى الكفة اليمنى، أينما كُنتُم في البيت في المدرسة أو العمل وفي مناسبة خاصة أو عامة وحصلت فرصة للحديث مع أحدهم ممن عرفت أو لم تعرف، فلا تبخل بكلمة عابرة أو نصيحة أو تعليق لطيف أو نكتة خفيفة أو نظرة رحيمة أو بسمة صافية تعدل بها موازين من لم يعجبك ميزانه، بشرط ألا تثقل على الناس وأن تراعي الفرصة المناسبة والمكان والزمان الملائمين والقدر اللازم والكافي من الكلام المفيد،؟بدون إحراج أو تقبيح أو تجريح، هذا إذا كان بإمكانك التغيير في ميزان من هم أمامك، أما إذا تعذر التغيير ولم يكن لديك الحل المناسب ولا القدرة على عمل شيء فمن الأفضل أن تُمارس المجاملات المحمود بشرط ألا يكون فيها عمل يغضب الله تعالى أو يتسبب في الإيذاء أو الضرر على الآخرين، مصداقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَن رأى منكُم منكرًا فليُنكِرهُ بيدِهِ، ومن لم يستَطِعْ فبلسانِهِ، ومن لَم يستَطِعْ فبقلبِهِ وذلِكَ أضعفُ الإيمانِ).

ومن التغيير بالقلب الدعاء في ظهر الغيب، أما من لم يدعو للمسلمين فقد يكون مقصراً في واجب التغيير بالقلب، أما من يطلق لسانه في هذا وذاك، وهنا وهناك  وبما يعلم وبما لا يعلم، وبما لا يملك معه لاحول ولا قوة في تغيير أو تبديل  أو إصلاح، وأهمل المجاملات المحمودة، فذلك من شأنه تأجيج الفتن وإشعال النيران، ويكون كمن يفتح الجروح ولا يداويها ويغوص أمراض الناس والأمة ولا يملك العلاج المناسب لها،،فيكون قد خاض فيما لا يعنيه وهذا منافي لمحاسن الإسلام، قال عليه الصلاة والسلام: (مِن حُسنِ إسلامِ المرءِ ترْكُهُ مالا يَعنيهِ).

 

 

التعليقات


أضف تعليقك هنا