حكيم الزمان

(تنظيم علاقاتنا الاجتماعية)


(تنظيم علاقاتنا الاجتماعية)
إعداد / الأستاذ صديق بن صالح فارسي
اجتماعي

"فَرّق بين البيض ولا تضعه كله في سلة واحدة، لتسلم ويسلم البيض"، فلو عرفت كيف توزع الناس في خريطة علاقاتك معهم لاكتفيت شر الكثير من المفاجآت الغير سارة والكثير من المواقف المؤلمة والكثير من المشاكل التي قد تكون بينك وبينهم، فمعظم المشاكل التي نعتقد أنها بسبب الآخرين، في الحقيقة ما هي إلا نتيجة جهلنا وغفلتنا عن وضعهم في الدائرة الصحيحة من ضمن "دوائر الأصفياء الاجتماعية".

قد تكون لأول مرة تسمع هذه العبارة، وقد تكون متشوقًا لمعرفة خصائص تلك الدوائر، وكيف نستطيع العمل من خلالها على حل المشاكل وعلاج الأمراض التي قد تصيب علاقاتنا الاجتماعية بالآخرين، ابتداءً من الأزواج والزوجات وما قد يصيب البعض من خيبات الأمل وانتهاءً بأبعد الناس وما قد يأتينا من قِبلهم من غبار ودخان يعمي العيون ويضيق الصدور ويلوث الهواء الاجتماعي المحيط بنا، الهواء الذي كان علينا أن ننعم باستنشاقه صافيًا نقيًا كما خلقه الله لنا وتفضل به علينا.

بعد هذه المقدمة المشوقة لمعرفة نظرية دوائر الأصفياء الاجتماعية التي وفقنا الله تعالى لمعرفتها، تعالوا بنا نحاول شرح تلك النظرية، ومن ثم بيان طريقة العمل من خلالها على ضبط سلوكنا تجاه الآخرين لنجعله متوافقًا مع مكانتهم وإمكاناتهم تجنبًا للاصطدامات التي قد تنشأ بسببها المشاكل والرياح والأعاصير التي تفتك بالبيوت والأسر والعائلات والمجتمعات فتفككها وتُذهب بريحها وقوتها وصلابتها.

أنظر الرسم البياني لدوائر الأصفياء الاجتماعية أعلاه.

(نظرية دوائر الأصفياء الاجتماعية)

دعونا نستعين بالله تعالى ثم بالرسم البياني لبيان أجزاء النظرية وهي كما يلي:

أولًا: تخيل نفسك وسط دائرة مغلقة، بمعنى أنها مدار تفكيرك وشعورك الداخلي الخاص ومدار أسرارك وما يدور بخلدك ومخزن أهدافك وطموحك وأحلامك، وهي ما تحرص كل الحرص ألا يدخل فيها أحد من الناس، ولا تحب أن يطلع عليها أي مخلوق، ولا يعلم بها إلا ربّ العالمين الذي يعلم السر وأخفى، ثم من تأذن أنت له بذلك من القرناء، قد يكون الزوج أو الزوجة أو أحد الأبناء أو الإخوان أو صديق مقرب أو حبيب مُحبب أو ذا شأن ترجو خيره وتأمن شره، (فهذه الدائرة الأولى - أ)، دائرة السرائر الخاصة.

ثانيًا: بعد الدائرة الأولى تأتي (الدائرة الثانية - ب)، والتي يدور في محيطها أفراد الأسرة، أهل البيت الواحد من أزواج وذرية ووالدينا ومن يتبعهم ممن تقتضي الضرورة العيش معهم تحت سقف واحد.

ثالثًا: تليها (الدائرة الثالثة - ج)، والتي يدور في محيطها أفراد العائلة، الأقرباء من الدرجة الأولى من أعمام وعمات وأخوال وخالات وإخوان وأخوات ومن يتبعهم من الأبناء والبنات ومن تقتضي الضرورة العيش تحت كنفهم.

رابعًا: ثم (الدائرة الرابعة - د)، والتي يدور في محيطها الأصحاب والأصدقاء ومن تربطنا معهم مصالح دينية أو دنيوية أو اجتماعية أو ثقافية أو تجارية أو غيرها من المصالح التي تقتضي الضرورة التعامل معهم من خلالها.

خامسًا: بعدها تأتي دائرة صفوة المجتمع، (الدائرة الخامسة - هـ)، والتي تشمل جميع أطياف المجتمع المحيطين بنا، على مختلف مهنهم وأشكالهم وألوانهم وأجناسهم، ممن لا تربطنا معهم علاقات مباشرة أو مصالح آنية متبادلة معهم، إلا أنهم لهم مكانتهم الاجتماعية أو الثقافية أو المهنية، ويحظون بالتقدير والمكانة الاجتماعية المرموقة.

سادسًا: أما الدائرة ما قبل الأخيرة وهي، (الدائرة السادسة - و) ونعني بهم الأشخاص الذين لا تربطنا بهم أية علاقة، لا أسرية ولا عائلية ولا مهنية ولا اجتماعية وليس لهم منا إلا الحُسنى، أي الإحسان إليهم بالقول والعمل، والمعاشرة بالمعروف أي عامة المجتمع.

سابعًا: الدائرة الأخيرة من دوائر علاقاتنا الاجتماعية، (الدائرة السابعة - ي)، وهي دائرة المحذوفين، وتشمل الأشخاص الذين لا يُرجى خيرهم، ولا يؤمن من شرهم، من ليس لهم عهد ولا وفاء بوعد، ولا ثبات على الحق ولا تورع عن اقتراف الفواحش والآثام، فهؤلاء محذوفين من قائمة علاقاتنا الاجتماعية.

(آلية العمل بالنظرية):

١- بعد أن استعرضنا الدوائر السبعة التي تحيط بعلاقاتنا الاجتماعية، وتفاعلنا مع المجتمع الذي نعيش فيه ونتفاعل معه ونؤثر فيه ونتأثر به وبأفراده سلبًا وإيجابًا، شئنا أم أبينا، ورضينا أم لم نرضى، وأقررنا أن لم نقر بذلك، فكل شخص منا جزء من مجتمعه، وما الجزء إلا ثمرة من ثمرات الكل.

٢- لذلك علينا أن نعرف ونتعلم ما هي الواجبات والمسؤوليات والتصرفات والأسس اللائقة والسليمة التي ينبغي علينا أن نتبعها مع كل فئة من فئات تلك الدوائر، ونتعرف على الإيجابيات والسلبيات التي نحصل عليها منهم ومن التعامل معهم وفق تلك الأسس.

٣- وعلينا أن ندرك أن خطأنا في نقل شخص من الأشخاص من دائرته إلى دائرة أخرى من دوائر علاقاتنا قد تترتب عليه بعض المشكلات، وخاصة إذا وضعناه في دائرة غير الدائرة التي يضعنا هو فيها من دوائر علاقاته، عند ذلك يكون الإحساس بالظلم والقهر وبالتالي الاتهام بالتقصير والخيانة،

نأخذ مثالًا على ذلك:

عندما تنقل الزوجة زوجها من دائرة الأسرة - ب، إلى دائرة السرائر  الخاصة - أ، أو ربما يفعل ذلك الزوج مع زوجته، في حين يبقى الطرف الآخر محتفظًا بصاحبه في الدائرة الأساسية له وهو دائرة الأسرة - ب، فهنا تكون العلاقة بينهما غير متساوية، فالأول قد يكشف للثاني كل دقائق وخصوصيات حياته، في حين أن الآخر يبقى محتفظًا بشيء من خصوصياته بعيدة عن إدراك الطرف الأول، هنا يحصل الشعور بالغبن والاتهام بعدم المصداقية وغيرها من المشاكل التي قد تترتب على عدم توافق الزوجان في وضع كل منهما في الدائرة التي يضعه فيها صاحبه.

والحل بكل سهولة: هو أن يعيد صاحبه للدائرة الطبيعية للعلاقة الزوجية ضمن الدائرة الثانية، عندها تنتهي المشاكل.

مثال آخر: عندما ينتقل الأخ الأكبر بأخيه الأصغر من دائرة العائلة الدائرة الثالثة - ج، إلى دائرة الأسرة، أي الدائرة الثانية -ب، فيعتبره أحد أفراد أسرته، ويتعامل معه كأحد أولاده، فهنا إذا لم يبادله الأخ الأصغر نفس العلاقة، فينتقل به في دائرة علاقاته من الدائرة الثالثة التي هي دائرة العائلة إلى الدائرة الثانية التي هي دائرة الأسرة، فيتعامل معه كما يتعامل الابن مع والده، عندها قد تحصل المشاكل وخيبات الأمل، أما إذا انتقل الاخ الأصغر بأخيه الأكبر في نفس اتجاه دائرة علاقات الأخ الأكبر، فيكونون جميعًا في طبيعة العلاقة بينهما ضمن تساوي الدوائر، أي أن كل منها يضع الآخر في نفس دائرة علاقاته، فبذلك يحصل الوئام والانسجام، وإلا فإن أمامهم إعادة تشكيل الوضع لكل طرف بما يماثل الطرف الآخر، وإلا فلا سمح الله فعلى الدنيا السلام، ونقصد بها دنياهم وحياتهم والعيشة التي بينهم.

مجمل ذلك: هو أنه يجب عليك أن تضع كل إنسان في الدائرة التي يضعك فيها في دائرته، لتكون الحقوق والمسؤوليات والإحساس والشعور والعواطف والالتزامات متساوية فيما بينكما، وعندما تبدو لك ظواهر مزعجة أو غير مرضية في العلاقة التي بينكما، فعليك أولًا أن تتفحص مكانك في دائرته، ثم تضعه في نفس الدائرة التي عندك، فهذا من شأنه أن يشعرك بالرضى والقبول، والجزاء من جنس العمل.

قد تجد من الناس من لا تستطيع أن تعرف الدائرة التي يضعك فيها عنده، إما بحسن النية وإما بخبث الطوية التي قد تنطوي عليها بعض النفوس المريضة والعياذ بالله، عند ذلك عليك أن تفتعل شيء من الخلاف معه أو أن نصطنع الزعل منه لأمر من الأمور، عندها سيظهر لك مكانتك عنده، ووضعك الذي في دائرته، وعندما تعرف وضعك، يسهل عليك وضعه في نفس الدائرة والتعامل معه وفقًا لذلك، أما إن بدى لك أنه قد وضعك في دائرة المحذوفات، فلا تتردد بوضعه حيث يستحق من دائرة علاقاتك المناسبة له، مع المحذوفين غير مأسوف عليه، واشتري راحة رأسك وعقلك وصحتك ولا تحزن على ما قدمت من خير، فالجزاء من الله تعالى أفضل وأجل وأكمل، والحمد لله رب العالمين.

 

التعليقات


أضف تعليقك هنا